كلمة رئيس الحكومه نيابة عن رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون:
مؤتمر الاتحاد الإفريقي الدورة العادية التاسعة والثلاثون كلمة رئيس الجمهورية، السيّد #عبد_المجيد_تبون خلال اجتماع لجنة رؤساء الدول والحكومات الأفارقة حول تغير المناخ ألقاها نيابةً عنه الوزير الأول السيد #سيفي_غريب. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين أصحاب الفخامة والمعالي رؤساء الدول والحكومات، السيد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، السيدات والسادة الأفاضل، يطيب لي في بداية كلمتي أن أعرب عن خالص الشكر والتقدير لفخامة الدكتور "ويليام سامويل روتو"، رئيس جمهورية كينيا الشقيقة، على دعوته الكريمة لعقد هذا الاجتماع الهام. كما أتوجه بالشكر الجزيل للسيد محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، على جـهوده الدؤوبة في خدمة قضايانا القارية. ولا يفوتني أن أنقل أصدق التهاني للوزير الأول الإثيوبي، السيد أحمد أبيي، بمناسبة استضافة بلاده للدورة الثانية والثلاثين لمؤتمر الاتحاد، مُتَـمَنِّينَ لهم كل التوفيق ومُؤكِّدِين لهم دعـمنا الكامل. السيدات والسادة الأفاضل، لقد تحولت الآثار السلبية للتغيرات المناخية إلى عائق حقيقي يُعرقل مسار التنمية، خاصة في قارتنا الإفريقية التي تواجه شحاً في التمويل اللازم للتكيف مع المناخ، في ظل ارتفاع التضخم العالمي ووصول مديونية العديد من دولنا إلى مستويات لا تطاق. وهو الواقع الذي صار محركاً لتأجيج الصراعات واتساع رقعة الفقر وتعاظم الفوارق، لا سيما في البلدان الأقل نُـمُواً. والمفارقة الصارخة تكمن في أن إفريقيا، التي لم تساهم تاريخياً إلا بنسبة ضئيلة في الانبعاثات الكربونية العالمية، هي الأكثر معاناة من تبعات التغير المناخي، وفي الوقت نفسه، هي الأقل حصولاً على التمويل المناخي اللازم للاستثمار في مشاريع التكيف والصمود. بل إننا نواجه اليوم ضغوطاً للتضحية بأمننا الغذائي والطاقوي، لتحمل أعباء دول تتنصل بصرامة من مسؤولياتها التاريخية متذرعةً بأولوياتها الاستراتيجية. ولا يسعنا أن نغفل هنا عن تلك الإجراءات التجارية أحادية الجانب، التي تفتقر إلى أي سند علمي يثبت فعاليتها في مكافحة التغير المناخي، بينما تؤكد الدراسات آثارها الاقتصادية والمالية المدمرة على قدرات دولنا النامية في تمويل سياساتها التنموية. فمن غير المقبول أن نُحمَّل تبعات نزعات حمائية لأطراف خارجية، بينما تتهرب هذه الأطراف نفسها من مسؤولياتها الواضحة. وما شهدناه خلال الدورة المنصرمة لمؤتمر الأطراف (COP30) من محاولات لإعادة صياغة مبادئ اتفاق باريس، لخير دليل على المنحدر الخطير الذي تسعى بعض الدول المتقدمة إلى دفع اقتصاداتنا إليه. ونؤكد من هذا المنبر أن الوفاء الفعال بالتعهدات المناخية رهين بتحقيق عدالة مناخية حقيقية، تجسد مبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة، لكن الـمتباينة، وأن تقود الدول المتقدمة الجهود العالمية بخفض انبعاثاتها، وتوفير الدعم المالي والتكنولوجي الضروري للبلدان النامية، خاصة الإفريقية منها. كما أن تحقيق انتقال طاقوي عادل، وزيادة القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المناخية، يتطلب آليات تمويلية أكثر مرونة وملاءمة، قادرة على سد فجوة الموارد ومواكبة الأعباء المالية الهائلة، مع مراعاة متطلبات التنمية المستدامة والمسؤولية التاريخية للاقتصادات المتقدمة في التدهور المناخي الحالي. السيدات والسادة الأفاضل، تؤكد الجزائر على أهمية الحفاظ على تماسك المجموعة الإفريقية خلال المفاوضات الدولية المقبلة، والسعي لتحقيق انتقال عادل يعود بالنفع على جميع دولنا، والابتعاد عن المقاربات الفردية التي تتجاهل حقيقة راسخة في قارتنا، ذلك أن تبنينا لـموقف موحد هو السبيل الأمثل للدفاع عن مصالحنا المشتركة، وبناء شراكات دولية وإقليمية طموحة، وزيادة التمويلات الموجهة لبلداننا، وتسهيل نقل التكنولوجيا، لمواجهة معضلة المناخ الـمستعصية. وفي هذا السياق، يجب أن تراعي هذه المقاربة الظروف الوطنية والقدرات المتفاوتة لدولنا، خاصة في ظل التراجع الملحوظ للتـمويل الدولي. فبعد الصعوبات المتزايدة التي تواجهها اقتصاداتنا في الـمعادلتين المناخية والتجارية، بات من الضروري أن نسلك نـهجا يستجيب فعلياً لاحتياجاتنا، ويشجع المبادرات الإقليمية والقارية والتعاون جنوب-جنوب. وكمساهمة في هذا الجهد القاري، عملت الجزائر على إطلاق مبادرة لإنشاء قوة مدنية إفريقية للتصدي للكوارث الطبيعية، تضمن استجابة فورية وفعالة وتقديم الدعم اللازم للدول المتضررة. كما تسعى الجزائر في مجالات الطاقة وإدارة الموارد المائية إلى خلق تناسق وتعاون ثنائي وإقليـمي لتعزيز قدرات دول الجوار وتبادل أفضل الـممـارسات، ومنها مشروع الربط الطاقوي مع دول الساحل، ومبادرة توسيع وتأهيل السد الأخضر التي تشمل استصلاح 4.7 مليون هكتار وإعادة تأهيل 500 ألف هكتار، وغيرها من الفرص الهامة لتعزيز استدامتنا ورفاهية شعوبنا. السيد الرئيس، لطالما كانت قارتنا نبعاً لا ينضب للثروات، حُرمت شعوبها لعقود من خيراتها بفعل سياسات استعمـارية عنصرية. وحريٌّ بها اليوم أن تتبوأ المكانة اللائقة بإمكاناتها وتاريخها، في ظل نظام دولي متعدد الأطراف يتطلع لتحقيق العدالة المناخية ويضمن الحق في التنمية. وتحقيقاً لهذا الهدف، يتعين علينا جميعاً العمل لئلا تضيع مكاسب نمونا في خِضَمِّ التحولات الجيوسياسية المتسارعة. والجزائر، بدورها، على أتم الاستعداد للمساهمة بكل إمكاناتها في تحقيق هذه الغاية النبيلة.


